ابن عربي
47
محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار
والشرفة في غير هذا الموضع خيار المال . ورجست السماء وارتجست : إذا رعدت وتمخّضت . خبر ظريف في الحنين إلى الوطن قال ابن الرومي في ذلك : وحبّب أوطان الرجال إليهم * مأرب قضاها الشباب هنالكا إذا ذكروا الأوطان ذكرتهم * عهود الصبا فيها فحنوا لذلكا روينا من حديث أبي الوليد ، عن محمد بن أبي عمر ، عن القاضي محمد بن عبد الرحمن بن محمد المخزومي ، عن القاضي الأوقص محمد بن عبد الرحمن بن هشام ، قال : خرجت غازيا في خلافة ابن مروان ، فقفلنا من بلاد الروم ، فأصابنا مطر ، فآوينا إلى قصر فاستكنّا به من المطر ، فلما أمسينا خرجت جارية مولدة من القصر ، فتذكرت مكة وبكت عليها ، وأنشأت تقول : من كان ذا شجن بالشام يحسبه * فإن في غيره أمسى إلى الشجن فإن ذا القصر حقا ما به وطن * لكن بمكة أمسى الأهل والوطن من ذا يسائل عنّا أين منزلنا * فالأقحوانة منّا منزل قمن إذ يلبث العيش صفوا ما يكدّره * طعن الوشاة ولا ينبو بنا الزمن قال : فلما أصبحنا لقيت صاحب القصر فقلت له : رأيت جارية مولّدة خرجت من قصرك ، فسمعتها تنشد كذا وكذا ، فقال : هذه جارية مولدة مكيّة اشتريتها ، وخرجت بها إلى الشام ، فو اللّه ما ترى عيشنا ولا ما نحن فيه شيئا ، فقلت : أتبيعها ؟ فقال : إذا فارقت روحي . قولها : فالأقحوانة منّا منزل قمن : الأقحوانة منزل عند الليط بمكة ، كان مجلسا يجلس فيه من يخرج من مكة ، يتحدثون فيه بالعشيّ ، ويلبسون الثياب المحمّرة والمورّدة والمطيّبة ، فكان مجلسهم من حسن ثيابهم يقال له الأقحوانة . وقالت بعض بنات الأعراب : روتني صاحبة القصر الذي على شاطئ دجلة قبالة سامرّاء يقال له عاشق ومعشوق ، وكان قد عشقها بعض الخلفاء فتزوّجها ، ونقلها من البادية ، فتغيّر عليها الحال . وكانت تحنّ إلى ما نشأت عليه ، فبنى لها هذا القصر ، وأمر بالإبل والغنم أن تحلب بكرة وعشية على باب قصرها في البرية ، فأنست بعض أنس ، فدخل عليها الخليفة يوما وهي تبكي وتقول :